فنّد مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف مزاعم المستشرقين والحداثيين حول ترتيب سور القرآن الكريم، مؤكداً خلال فعاليات الملتقى الثامن لبرنامج منبر الوعي المنعقد في مدينة البعوث الإسلامية، أن ترتيب المصحف الشريف في سوره وآياته توقيفي ثابت بوحي إلهي نزل به جبريل عليه السلام بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم، قاطعاً بذلك محاولات التشكيك المنهجي التي تخلط عمداً بين الترتيب الزمني للنزول وترتيب التلاوة المعتمد.
هل ترتيب سور القرآن الكريم توقيفي أم باجتهاد من الصحابة؟
يُعد ترتيب سور القرآن الكريم وآياته ترتيباً توقيفياً معجزاً ثابتاً بالنص والوحي المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس اجتهاداً مطلقاً من الصحابة رضوان الله عليهم؛ حيث كشف دكتور عبد الفتاح محمد خضر، أستاذ التفسير وعلوم القرآن الكريم بجامعة الأزهر، أن الدراسات البيانية والموضوعية تثبت وجود روابط أدبية محكمة بين السور القرآنية يستحيل عقلاً ومصادفة أن تنتج عن اختيار بشري.
وتكشف القراءة العلمية لنسق المصحف أن الترابط المحكم يتجلى بوضوح في اتساق خواتيم السور مع بدايات السور التي تليها مباشرة؛ ما يدحض فرضيات المستشرقين التي سعت إلى تصوير النص القرآني كنص قابل للتفكيك وإعادة الترتيب التنازلي أو التصاعدي، مؤكداً أن الإجماع العلمي للأمة استقر على قطعية هذا الترتيب لحِكَم إلهية عليا تفوق حدود السرد الزمني.
ما أصل المغالطة العلمية لدى المستشرقين حول افتتاح المصحف بسورة الفاتحة دون العلق؟
يرجع أصل الخطأ المنهجي لدى طروحات المستشرقين وتلاميذهم إلى الخلط المتعمد بين ترتيب النزول التنجيمي وترتيب التلاوة الموضوعي؛ إذ استند المشككون إلى عدم افتتاح المصحف بسورة العلق بصفتها أول ما نزل من الوحي، للادعاء بأن هذا الترتيب يؤدي إلى تفكك السياق التاريخي للأحداث، متجاهلين التفريق الأصولي بين وظيفتين مختلفتين تماماً:
- ترتيب النزول (التنجيم التاريخي): نزل القرآن الكريم مفرقاً على مدار الدعوة وفق الوقائع ومقتضيات الأحداث؛ لتحقيق غاية تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم ومواكبة النوازل والتشريعات المستجدة.
- ترتيب التلاوة والمصحف: خضع لنسق توقيفي يربط فواتح السور بخواتيمها في وحدة بنائية واحدة، وهو الترتيب التعبدي المستقر الذي يحفظ اتساق الرسالة الإيمانية الكلية بعيداً عن تقييدها بظروف زمنية منقضية.
كيف واجه الأزهر الشريف محاولات «أنسنة الوحي» والنيل من قدسية النص القرآني؟
أكدت المحاضرات العلمية في الملتقى الذي أداره الشيخ الحسيني القاضي، عضو الأمانة المساعدة للجنة العليا لشئون الدعوة بالمجمع، أن محاولات تغيير ترتيب السور تهدف في جوهرها إلى «أنسنة الوحي»، أي تحويل النص القرآني إلى كلام يخضع لمعايير الإنتاج البشري من نقد ونقض وزيادة ونقصان، وهو ما يمتنع قطعاً على كلام الله تعالى المنزه عن عوارض النقص.
وأوضح مجمع البحوث الإسلامية، في اللقاء المنفذ بتوجيهات الإمام الأكبر دكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، وإشراف الشيخ أيمن عبد الغني وكيل الأزهر، ودكتور محمد الجندي الأمين العام للمجمع، أن القراءات الحداثية تفتقر إلى أدوات اللغة العربية ومعانيها ودقة أساليبها، مستخدمة مناهج نقدية صيغت للتعامل مع النصوص الأدبية البشرية وتطبيقاتها الأرضية، ولا تصلح لمقاربة النص الإلهي المعجز؛ وهو ما يستدعي استمرار ملتقيات «شبهات وردود» لحماية الوعي وبناء حصانة فكرية ترتكز على التحقيق العلمي الرصين.
